منتدى خرابيش

Admin

تويتر وشركاه في زمن الحروب: نعمة أم نقمة؟

أنشئ بواسطة خرابيش
Original_original_gaza3

لا يكاد يمر يوم واحد دون نشر تغريدات على تويتر حول انفجارات وصواريخ وتدخلات عسكرية في غزة والعراق وسوريا وكذلك أوكرانيا. فهل صحيح أن وتيرة الأزمات في العالم قد ارتفعت؟ أم أنه مجرد طوفان إلكتروني يساء استخدامه؟

لم تكن للحروب والنزاعات المسلحة أصداء متناقضة ونقاشات في وسائل الإعلام، سواء التقليدية منها أوالحديثة، مثلما هو الشأن هذه الأيام. هذا الإهتمام المتزايد لما يجري في مناطق عديدة في العالم بدأ في الأصل قبيل اندلاع حرب غزة الأخيرة. يربط سام بيرلو فريمان، المختص في النفقات العسكرية لدى معهد SIPR لشؤون السلام في استوكهولم، تزايد اهتمام الإعلام بهذا النوع من الأخبار بارتفاع نسق المواجهات العسكرية في العالم خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك بعد مرحلة طويلة دام فيها السلام والأمن امتدت تقريبا من نهاية الحرب الباردة إلى منتصف الألفية الثانية (باستثناء حرب البلقان)، ويرى أن "هناك معطيات لا شك في صحتها تفيد بأن عدد الصراعات الداخلية المتزايدة في العالم قد حصدت معها العديد من الضحايا، وهذا يعود بالأساس إلى الحرب في سوريا".

وحتى نستطيع أن نفهم ما يجري من أحداث في المناطق المتناحرة، يكفي أن نلقي نظرة على شبكات التواصل الاجتماعي، فالفيسبوك والتويتر يعتبران المصدر الأكبر للصور الصادمة التي تصلنا من سوريا وقطاع غزة. الصحفي الأمريكي الشهير دافيد كاير كتب قبل بضعة أيام في صحيفة نيويورك تايمز حول علاقة وسائل التواصل الاجتماعي بالحروب معلقا: "لقد جعلت علوم الجغرافيا السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي من العالم مكانا أصغر ولكنه يبدو أكثر دموية". من جانبه يرى سام بيرلو فريمان أن استعمال الشبكات الاجتماعية ذو جانب إيجابي، حتى في زمن الحروب، فقد تطور ليصبح "فضاءا رحبا لممارسة الديمقراطية" ومنبرا لنقاش المواجهات العسكرية.

في السابق كانت محطات التلفزيون الكبرى والصحف هي المسيطرة على ميدان الأخبار، أما اليوم فأصبحنا نتلقى معلومات لا تحصى من أشخاص موجودين في عين المكان. هذا ما يؤدي إلى خلق وجهات نظر عديدة من زوايا مختلفة. وبالتالي يمكن القول بأن الوضع في غزة قد جعل إسرائيل في موقف صعب، فصور الضحايا أصبحت تنشر على التويتر مباشرة من غزة، وهذا يختلف طبعا عن الوضع إبان عملية "الرصاص المصبوب" قبل ستة أعوام.

لكن في المقابل لا بد من التسليم بأن الشبكات الاجتماعية قد صارت نعمة ونقمة في نفس الوقت، فما أن يتم نشر صور جديدة على الإنترنت حتى يتم توظيفها في غير محلها لأغراض سياسية بحتة. وهذا ما حصل بالفعل مؤخرا في حادثة ما يسمى بصور جنديات الجيش الإسرائيلي. إذ قامت بعض الجنديات خلال عملية تدريب عسكرية بوضع الماكياج الخادع للتظاهر بأنهن مصابات، وتم تداول صورهن وفق سياق واضح من التلفيق، إذ علق أحدهم بالقول: "هذا ما تقوم به إسرائيل لتضليل الناس".

جريدة زوددويتشه تسايتونغ واسعة الانتشار في ألمانيا علقت على موضوع مصداقية تويتر وفيسبوك بالقول: "طالما أننا نضع صوب أعيننا صورة نمطية حول العدو، فإنه سيتم تصديق كل معلومة تنشر" وبالتالي فقد تحولت شبكات التواصل الاجتماعي بدورها إلى "ساحات قتال" بين أطراف مختلفة. هذا الأمر برز خاصة خلال أزمة أوكرانيا وأزمات الشرق الأوسط، إذ يسخر أطراف النزاع هناك جهودا كبيرة لتوظيف الأخبار على الشبكة العنكبوتية حتى تصب في مصلحتهم. وكما يقول المثل الإغريقي فإن "أول ضحية تسقط عادة في الحرب هي الحقيقة". ولعدم السقوط في نشر الإشاعات ينصح سام بيرلو فريمان بأنه "يجب على القراء في هذه المواقف أن يأخذوا حذرهم من هذه المعلومات وأن يبادروا بالبحث عن إمكانية أفضل تساعدهم على تقصي المعلومة الصحيحة من عدمها".

إعادة تداول الصور على عجل وتبسيط المواضيع المعقدة جدا في آن واحد سيقود في آخر المطاف إلى تأجيج الصراع حتى خارج مناطقه الأصلية. هذا ما أثبتته فعلا الحرب الأخيرة في غزة. المواجهة لم تقتصر في آخر المطاف على طرفي النزاع هناك فقط، بل تجاوزتهما لتكون أكثر حدة بين مؤيديهم في الخارج، إذ شهدت كل من ألمانيا وفرنسا مظاهرات احتجاج ضد إسرائيل لم تخلو من شعارات معادية للسامية. ويمكن القول أيضا بأن لوسائل التواصل الاجتماعي تأثيرا سلبيا إضافيا: إذ أن هذا الطوفان الكبير من الصور والتغريدات حول أوكرانيا والشرق الأوسط كفيل في واقع الأمر بأن يلهي وسائل الإعلام عن التفاعل مع ما يحدث في مالي ونيجيريا والكونغو والسودان من صراعات طاحنة، لعدم وجود من يغرد هناك. فهل ستكون الغلبة في النهاية لمن يغرد أكثر؟

ما يزيد الطين بلة هو هذا التفاوت العميق بين صور الحرب المنتشرة بسرعة في الإنترنت والمشاورات الديبلوماسية العسيرة بغية إيجاد حل سلمي للأزمة. فعجز المجتمع الدولي دفع الناس للتعبير عن سخطهم، فتمتلئ صفحات الإنترنت بالتعاليق ومثلها أيضا تمتلئ الشوراع بالمتظاهرين. وقد بدا عجز الأمم المتحدة عن التدخل واضحا خاصة إثر اندلاع الصراع في الشرق الأوسط مؤخرا، وقبله في الحرب في كل من سوريا وأوكرانيا.

ولكن الناشط الحقوقي والسياسي في حزب الخضر الألماني توم كونيغس يرى أن الأمم المتحدة تبذل كل ما في وسعها ودون أدنى تحفظ من أجل حماية المدنيين، "فهذا شيء مهم وضروري" حسب تعبيره. ويوافقه سام بيرلو فريمان الرأي في هذه النقطة، فعندما نلقي نظرة على العالم، يتبين لنا أنه حتى في أشد النزاعات فظاعة كان هناك دوما مخرج سياسي. ويقول: "لم تربح كفة العمل الديبلوماسي دوما طيلة فترة حكم الرئيس الأمريكي جورج بوش وحربه ضد الإرهاب، فالغلبة كانت في أغلب الأحيان لصالح التدخل العسكري. هذه "الموضة" أي الخيار العسكري عادت مؤخرا لتنتصب في الواجهة".

هناك العديد من الأمثلة حول نجاعة الحل السياسي، ففي كولومبيا تواصل الحكومة مفاوضات سلام مع حركة الفارك المسلحة كما هو الشأن في تركيا مع حزب العمال الكردستاني وحتى في الشرق الأوسط هناك مساعٍ ديبلوماسية جادة بين واشنطن وطهران للتوصل لإتفاق سلمي لأزمة النووي الإيراني. هذا الأمر لم يحدث مطلقا منذ الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979.

ويرى فريمان بأن الديبلوماسية بمعناها الكلاسيكي، حتى في زمن الفيسبوك، أهم من أي وقت مضى وتعقيدات الحرب المتشعبة لا يمكن أن نختزلها إطلاقا في بعض الكلمات على التويتر.

0 0

0